مجد الدين ابن الأثير

328

المختار من مناقب الأخيار

وقال أحمد بن محمد التّستريّ : أتى على أحمد بن حنبل ثلاثة أيام ما طعم فيها ، فبعث إلى صديق له فاستقرض شيئا من الدقيق ، فعرفوا في البيت شدّة حاجته إلى الطعام ، فخبزوا عاجلا ، فلما وضع بين يديه قال : كيف خبزتم هذا بسرعة ؟ قالوا : كان التنّور في دار صالح ابنه مسجورا فخبزنا عاجلا فقال : ارفعوا . ولم يأكل ، وأمر بسدّ بابه إلى دار صالح « 1 » . وقال عبد اللّه بن أحمد : كان أبي يصلّي في كلّ يوم وليلة ثلاث مائة ركعة ، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته ، فكان يصلّي في كلّ يوم وليلة مائة وخمسين ركعة . وقد كان قرب من الثمانين . وكان يقرأ كل يوم سبعا ، يختم في كلّ سبعة أيام ، وكانت له ختمة في كلّ سبع ليال سوى صلاة النهار ، وكان ساعة يصلّي عشاء الآخرة ينام نومة خفيفة ، ثم يقوم إلى الصباح يصلّي ويدعو . وحجّ أبي خمس حجّات : ثلاث حجج ماشيا ، واثنتين راكبا ، وأنفق في بعض حجّاته عشرين درهما « 2 » . وقال : كنت أسمع أبي كثيرا يقول في دبر صلاته : اللهمّ كما صنت وجهي عن السجود لغيرك ، فصن وجهي عن المسألة لغيرك « 2 » . وقال ميمون بن الأصبغ : كنت ببغداد فسمعت ضجّة فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : أحمد بن حنبل يمتحن . فدخلت ، فلما ضرب سوطا قال : بسم اللّه ؛ فلما ضرب الثاني قال : لا حول ولا قوّة إلا باللّه ؛ فلما ضرب الثالث قال : القرآن كلام اللّه ، غير مخلوق . فلما ضرب الرابع قال : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ التوبة : 51 ] . فضرب تسعة وعشرين سوطا . وكانت تكّة « 3 » أحمد حاشية ثوب فانقطعت ، فنزل السراويل إلى عانته ، فرمى أحمد بطرفه إلى السماء وحرّك شفتيه ، فما كان بأسرع من أن بقي

--> ( 1 ) الحلية 9 / 177 وصفة الصفوة 2 / 348 . ( 2 ) الحلية 9 / 181 و 183 وصفة الصفوة 2 / 349 . ( 3 ) التّكّة : رباط السراويل . القاموس ( تكك ) .